ليس شرطاً أن تنتهي الأزمات لترى مظاهر الانتصار فيها، بل الانتصار في لحظة الأزمات يمكن رؤيته ومشاهدته بالعين المجردة في أثناء سير الأزمة، وشعور يمكن لك أن تحس به بما ينبئك عن نهاياتها، ففي لحظة الأزمات لا تقاس انتصارات الدول فقط بما تحققه من إنجازات عسكرية أو مادية، بل إن ظهور الوعي الوطني لدى المواطن والمقيم والحكمة عند القيادة في إدارة التحديات والتعامل مع الأزمات هو مظهر من مظاهر الانتصار.
 وفصول الانتصار كثيرة، منها الانتصار العسكري والانتصار الأخلاقي والإنساني والمؤسسي، وكله قدمته دولة الإمارات العربية المتحدة خلال الأزمة الدولية الراهنة، فغدت نموذجاً يقتدى به. انتصرت الإمارات يوم أن حافظت على ضبط نفسها، فالانفعال في الأزمات قد يقود إلى قرارات متسرعة يعقبها الندم، أما قيادة الإمارات الواعية فقد اختارت طريق الحكمة فتعاملت بهدوء واتزان، وقدمت نموذجاً راقياً في ضبط النفس عندما اعتدى عليها جارها، وغلبت العقل على العاطفة، والمصلحة العامة على ردود الفعل اللحظية، لأنها تعلم أن الأزمات ومفتعليها إلى زوال وأن جوار الجغرافيا والشعب لا يزول ولا يحول، فلم يكن ضبط النفس ضعفاً ولا قلة حيلة ولا عجزاً عن الرد، وهي تملك جيشاً يعتد به في المنطقة تسليحاً وعدداً وعدة ولكن الحكمة تقتضي أن تختار أهون الشرين، فإما أن تنجر إلى معركة يزداد أوارها، وتلتهب نيرانها، وتحرق الأخضر واليابس بعد أن بنت سنوات من المدنية والحضارة والرقي والعمران حتى أصبحت أنموذجاً في المنطقة اقتصاداً وتعليماً وسياسةً ومجتمعاً وتسامحاً وتعايشاً، وإما أن تضبط نفسها ضبط القادر على الرد، وهو ما اختارته قيادة الدولة بحكمة وبصيرة، فما أسهل الهدم وما أصعب البناء.
 انتصرت الإمارات يوم أن أبقت أسواقها مفتوحة، وهي تعلم أن الاقتصاد هو شريان الحياة، وقد أدركت قيادتها الرشيدة أن الحفاظ على دوران عجلة الاقتصاد هو جزء من حماية المجتمع، فحافظت على تدفق السلع وفتح مراكز التسوق، ولم يشعر المجتمع بغياب حاجة من حاجاته الأساسية أو الرفاهية، فكان الانتصار بتعزيز الثقة بين الإدارة الحكيمة للدولة ورعاية المجتمع.
 انتصرت الإمارات يوم أن حافظت على قوانينها حاضرة، ففي خضم التحديات والأزمات قد تميل بعض الدول إلى التراخي أو التشتت في تطبيق القانون، لكن دولة الإمارات أبقت القانون حاضراً يطبق بعدالة، وتعاملت مع الحالة الطارئة التي تعيش بها بأن تكيفت سريعاً مع ظروف المقيمين في أرضها ممن انتهت إقاماتهم بكل اقتدار ومسؤولية.
 انتصرت الإمارات يوم أن تماهت مع الواقع وأعلنت الدراسة عن بُعد، لا بدافع الخوف من التجمعات فالأسواق مفتوحة ومراكز التسوق عاملة والمساجد تستقبل المصلين فيها ولكنه تعبير عن وعي استباقي ومسؤولية عالية تجاه المجتمع، فقد قرأت الإمارات المشهد بعمق واتخذت قراراً يضمن استمرار العملية التعليمية دون انقطاع في صورة تعكس مرونة الدولة وقدرتها على التكيف مع الظرف الطارئ مع الحفاظ على الإنسان على أرضها.
 انتصرت الإمارات يوم أن تجلت اللّحمة بين المواطنين والمقيمين خلف قيادة واحدة يثقون برؤيتها، فالجميع شركاء في المسؤولية والواجبات تجاه وطن يضمهم وقيادة ترعاهم، هذه اللحمة أكدت أن دولة الإمارات ليست مجرد دولة تطبق قانوناً مجرداً بل مجتمع متكامل يقوم على الاحترام والتكافل والتعاضد وتسري فيه روح الأخوة.
انتصرت الإمارات يوم أن حافظت على الإنسان الذي هو محور القيم العليا فيها، وأثبتت أن أولويتها هي معنوية الإنسان وصحته وكرامته وأمنه، فكانت قراراتها خلال هذه الأزمة كلها تدور حول حماية الإنسان فكراً وصحةً وعقلاً وأمناً.
 انتصرت الإمارات يوم أن صدت عن نفسها صواريخ الظلم والاستبداد والحقد الأسود، وأثبت جنودها البواسل أنهم العيون الساهرة على أمنها وحرمة ترابها وإنجازاتها، وأنهم الدرع المنيع الذي يصون حريتها ووحدتها، وأن ما أنفقته خلال سنوات عديدة على تدريبهم وتطوير قدراتهم العسكرية جاء يوم قطاف ثمرته، فغدت الإمارات بهم أمناً وأماناً وسلماً وسلاماً، وحصناً منيعاً أمام كل طامع ومعتدٍ أثيم. 
إن انتصار الإمارات لم يكن ضجيجاً إعلامياً ولا مشهداً عابراً، بل كان سلوكاً يومياً متزناً تمارسه القيادة بقرارات حكيمة ومواقف إنسانية رفيعة، إنه انتصار المعاني الرفيعة وانتصار القيم الخالدة قبل الشعارات، وانتصار دولةٍ أدركت أن قوتها الحقيقية في إنسانها ونظامها ووحدتها.
انتصرت الإمارات يوم أن أعلن قائدها صاحب السمو رئيس الدولة أن الإمارات جلدها غليظ ولحمها مرٌّ لا يؤكل، وهو حفظه الله يعني ما يقول حرفياً وقادرٌ بعون الله على إنفاذ ما يقول.

د.محمد نوح القضاة*

*جامعة محمد بن زايد للعلوم الإنسانية